بسم الله الرحمن الرحيم
في قوله تعالى { فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}
قال الله تعالى:{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17]
اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه ، والباطل في اضمحلاله وفنائه، قال بعض السلف: كنت إذا قرأت مثلا من القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول :{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ } .
ذلك لما تضمنته الأمثال القرآنية من جوامع الكلم و إيجاز اللفظ و إعجاز المعنى ، و فيها من صرف الناس عن الجدل بالباطل إلى تأييد الحق ، وفيها من تعرية الباطل وفضح المشركين و توضيح الحق وتثبيته، وإقامة حججه وبراهينه .
في قوله تعالى :{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} : هذا مثل للقرآن ، والأودية مثل للقلوب
بمعنى: ينزل القرآن فتحمل منه القلوب على قدر اليقين ، والعقل ، والشك ، والجهل . فهذا أحد المثلين ، والمثل الآخر : قوله عز وجل :{ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ }
قال العلامة ابن القيم في الأمثال في القرآن(9/1): (( فإن النار مادة النور والماء مادة الحياة وقد جعل الله سبحانه الوحي الذي أنزل من السماء متضمنا لحياة القلوب واستنارتها ولهذا سماه روحا ونورا وجعل قابليه أحياء في النور ومن لم يرفع به رأسا أمواتا في الظلمات))
قال العلامة ابن القيم في اعلام الموقعين (117/1):((شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار، بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبه القلوب بالأودية؛ فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا كوادٍ كبير يسع ماءً كثيرًا، وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادي الصغير، {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}
واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها، وكما أن السيل إذا خالط الأرض ومر عليها احتمل غثاءً وزبدًا، فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها .
كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه فيتكدر بها شاربه، وهي من تمام نفع الدواء ، فإنه أثارها ليذهب بها، فإنه لا يجامعها ولا يشاركها وهكذا يضرب الله الحق والباطل.
ثمَّ ذكر المثل الناري، فقال {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ } وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد، فتخرجه النار وتميزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيرمى ويطرح ويذهب جفاء .
فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها، كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي، الذي يستقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم، كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره .
و من لم يفقه هذين المثلين و لم يتدبرهما و يعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما و الله الموفق))
و الله تعالى أعلم و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .

